25/12/2013

التدهور الحاد في الاقتصاد السوري نتيجة الأزمة

التدهور الحاد في الاقتصاد السوري نتيجة الأزمة

المنتدى الاقتصادي السوري – 25 كانون الأول/ديسمبر 2013

إعداد الدكتور عبدالله حمادة ، المنتدى الاقتصادي السوري

بدأت الثورة الشعبية في سورية نتيجة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة عبر 40 سنة، نتيجة لغياب الديمقراطية وافتقار قطاعات واسعة من المجتمع السوري، حيث تجاوزت نسبة الفقر في سورية 43% قبل الثورة، بالإضافة إلى استشراء الفساد بشكل كبير جداً، وزيادة الفروقات الطبقية، وهيمنة ثلة صغيرة من اقرباء السلطة على الاقتصاد، كل ذلك مهد الطريق أمام الثورة الشعبية، التي كانت تنتظر مجرد شرارة.

اليوم يبدو الاقتصاد السوري شبه مدمر مع دخول الأزمة في سورية عامها الثالث، ودلالات ما أصاب الوضع الاقتصادي من دمار لا تحتاج إلى جهد كبير لالتقاط مؤشراتها، إذ هي واضحة في الأسواق وظاهرة في حياة السوريين اليومية.

يستمر الوضع الاقتصادي والاجتماعي السوري بالانحدار، ونقص حاد في السلع المحلية والمستوردة، وارتفاع أسعار المواد المختلفة بما فيها المواد الضرورية والأساسية بالتوازي مع انخفاض شديد بسعر العملة السورية مقارنة بالعملات الأجنبية، وقد قفز سعر الصرف للدولار عدة مرات من 50 ل.س حيث وصل إلى 300 ل.س واستقر عند السعر 156 ل.س  في الأشهر الأخيرة، وهناك نقص كبير في إمدادات الطاقة الكهربائية وفي المحروقات ووقود السيارات، وثمة تدهور في مستوى الخدمات العامة بما فيها خدمات الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات وغيرها.

غير أن مؤشرات الحياة اليومية لا تبين كل ما لحق بالاقتصاد من دمار، حيث هناك مؤشرات ووقائع أعمق في دلالاتها، ولعل الأبرز في تلك المؤشرات يمثله التوقف الكلي لمعظم القطاعات الاقتصادية أو أغلب نشاطاتها. ومنذ انطلاق المظاهرات في منتصف مارس (آذار) 2011، يتوقّع الخبراء أن يُسجّل الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً بنسبة 37% بحلول نهاية عام 2013 (يُضاف إلى الانخفاض الذي بلغ 19% عام 2012)، إن الدخل ينخفض تقريبا بنسبة 18% بكل عام منذ بداية الأزمة، مع ارتفاع نسبة التضخم من 4.4% عام 2010 إلى 6.6% عام 2011 ومن ثم ارتفعت بشكل كبير لتبلغ 68% عام 2013، ورافق ذلك ارتفاع كبير أيضاً لنسبة البطالة التي تجاوزت الـ 69% عام 2013.

يشار إلى أن قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي أصابت قطاع النفط في سورية جراء الأزمة بلغت
نحو 17.7 مليار دولار أميركي، بحسب أرقام رسمية، فتراجع إنتاجه 90%، من 380 ألف برميل عام 2011 إلى 39 ألف برميل عام 2013.

وتم تدمير البنى التحتية بشكل هائل على كل مفاصل الاقتصاد السوري، وتراجعت عائدات الاستثمارات والسياحة، فتوقف القطاع السياحي في أغلب فعالياته، علماً أن ايرادات السياحة عام 2010 شكلت نسبة 12% من مجموع ايرادات الدولة.

وتعرّض القطاع الصناعي الذي يتركّز حول دمشق وحلب إلى ضربة قاسية، فبحسب تقرير صادر عن بنك بيبلوس، توقّفت نحو 75% من المنشآت الإنتاجية في حلب عن العمل، ويشكّل تراجع التصنيع واحداً من أهم العوامل التي أثرت وستؤثّر في مستقبل البلاد. وهذا التراجع نتيجة الترديات الأمنية من جهة وبفعل العقوبات الدولية التي جرى فرضها، والتي أثرت على استجرار الآلات والمعدات الصناعية والمواد الأولية، من جهة أخرى، فلقد بلغت خسائر القطاع الصناعي نحو 2.2 مليار دولار، منها 500 مليون دولار للقطاع العام،
والباقي 1.7 مليار دولار القطاع الخاص.

وتلك الظروف أدت إلى تراجع القطاع التجاري نتيجة الظروف الأمنية، أفادت دراسة رسمية نشرتها صحيفة سورية أن الأزمة التي تمر بها سورية خلفت تراجعاً حاداً في حجم التجارة الخارجية بين الربع الأول من
العام 2011، تاريخ اندلاع الأزمة، والربع الأول من العام 2013، أوضحت البيانات الواردة في التقرير تراجع قيمة الصادرات السورية الإجمالية خلال فترة الأزمة “من 1901 مليون دولار في الربع الأول من عام 2011 إلى 94.7 مليون دولار في الربع الأول من عام 2013″، أي “بنسبة تراجع إجمالية بلغت نحو 95%”.
كما تراجعت المستوردات السورية الإجمالية خلال فترة الأزمة “من نحو 4115 مليون دولار في الربع الأول من عام 2011 إلى نحو 818 مليون دولار في الربع الأول من عام 2013″، أي “بنسبة تراجع إجمالية
بلغت 88%.”

وهنالك دليل آخر على هذه الانتكاسات تجسّده بورصة دمشق، حيث خسرت الأسهم 86% من قيمتها منذ اندلاع الانتفاضة.

ولم يسلم القطاع الزراعي من أثر تدهور الأوضاع الأمنية، التي ترافقت في بعض المناطق مثل أرياف درعا ودمشق وإدلب باستهداف المناطق الزراعية وتدمير محاصيلها من جانب القوى الأمنية والعسكرية لأسباب انتقامية في بعض الأحيان.

ومن أكبر الفظائع استهلاك أغلب احتياطات النقد الأجنبي من مبلغ 19.5 مليار دولار في نهاية عام 2010، إلى نحو 14 مليار دولار في نهاية عام 2011 ، وانخفض إلى 3 مليار عام 2012، ومن ثم انخفض إلى 1.8 مليار دولار خلال عام 2013، إن مستوى الاحتياطي الأجنبي هو حالياً السر المحاط بالتكتّم الأكبر في البلاد، وفي هذا الإطار، قدّمت إيران خطاً ائتمانياً لسورية قدره 3.6 مليارات دولار.

أما بالنسبة إلى الإيرادات العامة للدولة فقد تراجعت بشكل كبير جداً، وتقلصت التحويلات المالية ومنها تحويلات السوريين العاملين في الخارج البالغة نحو 800 مليون دولار سنوياً، وهروب ما قدر بنحو 22 مليار دولار من رؤوس الأموال للخارج، وانكماش الاقتصاد السوري بما نسبته 28%  في العام الماضي، وخروج ما يزيد على 60% من رجال وسيدات الأعمال السوريين للخارج.

أما بالنسبة للحرية الاقتصادية في سورية فلقد أوردت منظمة Heritage Foundation في تقريرها السنوي أن سورية احتلت المرتبة 139 في العالم لجهة الحرية الاقتصادية، مع تسجيل نتيجة 51.2 نقطة
للعام 2012[1]، لقد أشار التقرير أن هنالك تراجع حاد بمختلف القطاعات السورية خلال فترة الأزمة، مشدداً على مدى تأثير الأنظمة القانونية على تطور القطاع الخاص والنتائج السلبية المترتبة على بيئة الاعمال، ويعود هذا الانخفاض في مقياس الحرية الاقتصادية إلى تصرفات الدولة وتدخلاتها وهيمنتها لفترة طويلة على شتى مجالات الحياة الاقتصادية، بالإضافة إلى البيئة القمعية وتهميش القطاع الخاص، ومنع التنمية المستدامة للمؤسسات الجديدة، وفيما يلي عرض لأهم هذه المعايير.

1- فإن مقياس حرية بيئة الأعمال انخفض في سورية إلى 59.3 عام 2013 ، وهي أدنى من المعدّل العالمي، وسبب هذا الانخفاض في مقياس بيئة الأعمال لأن تعقيد إجراءات الترخيص التي تتم عبر مستويات بيروقراطية حكومية ضبابية، وما يترتب عليها من تكاليف إضافية على شكل رسوم ورشاوى إلى المسؤولين، أي تفتقر بيئة الأعمال في سورية إلى الشفافية والكفاءة، ولايزال تدخل الدولة يؤخر النشاط التجاري.

2-  أما مقياس الحرية التجارية في سورية فلقد بلغ 72.8 عام 2013، وهي أقل من المعدّل العالمي، وسبب ذلك هو أن تدخل الدولة يؤخر النشاط التجاري ويعمل على إطالة أمد الركود الاقتصادي. بالإضافة إلى أن متوسط ​​معدل التعريفة الجمركية هي 6.1 % ، (مقارنة بنسبة 1.6% في الولايات المتحدة) أي مزيداً من التقييد على الحرية التجارية.

3-  بينما مقياس الحرية النقدية في سورية فلقد بلغ 71.5 عام 2013 ، وهي أقل من المعدّل العالمي، وقد يعود ذلك إلى تدخل الدولة المباشر من خلال القيود التي فرضها البنك المركزي على بيع العملات الأجنبية من قبل البنوك للأفراد.

4-  أما بالنسبة لمقياس حرية الاستثمار في سورية فلقد انخفض إلى 10عام 2013 ، هذا الرقم يشير إلى البيئة الخانقة للاستثمار في سورية، ويعود هذا الانخفاض في مقياس حرية الاستثمار إلى القيود الحكومية القاسية على المستثمر، وطريقة الاستثمار، كما أن القمع الوحشي ضد الشعب الذي أدى إلى عدم الاستقرار السياسي ومخاطر وضع اليد ونزع الملكية التي تحبط المستثمرين المحلين والاجانب، لذلك نجد أن تواجد استثمار المؤسسات الأجنبية في سورية قليل جداً؛ وفي الوقت ذاته يتركّز الاستثمار المحلّي ضمن عائلة الأسد وحلفائه المقربين الذين يحصلون على إعفاء من شرط إجراءات الترخيص المعقدة وغيرها من العقبات التعجيزية.

5-  وتشكل القيود المالية حاجزاً مهمّاً أمام الحريّة الاقتصادية في سورية، إن قيمة مقياس الحرية المالية منخفضة جداً في سورية، حيث بلغ 20 عام 2013، أي يوجد في سورية قمع مالي وليس حرية مالية، وسبب هذا الانخفاض في مقياس حرية المالية إلى تدخلات الحكومة في النظام المصرفي، وتخضع المصارف خضوعاً وثيقاً لرقابة الحكومة وسيطرتها، ويخضع الصرف الأجنبي لرقابة وثيقة من خلال البنوك، ناهيك عن التصرفات الوحشية للحفاظ على السلطة التي زعزعة الاستقرار السياسي في المنطقة التي تسببت أيضاً بإيذاء النظام المالي.

6-  ومن ناحية حقوق الملكية فلقد انخفض مقياس حرية حقوق الملكية في سورية إلى 20 عام 2013،
هي الأسواء في المنطقة وفي العالم أجمع، وقد يعود ذلك لأنه في سورية حماية الملكية الخاصة ضعيفة, بالإضافة إلى أن الاستملاك أو نزع الملكية الخاصة أمر معتاد، وبالتالي درجات منخفضة جداً لحقوق الملكية.

7-  أما المشكلة الأكبر في سورية هي مشكلة الفساد، حيث صنفت سورية بين الدول العشر الأكثر فساداً في العالم، وإن مقياس التحرر من الفساد في سورية بلغ 26 عام 2013 ، ويعود هذا الانخفاض في مقياس التخلص من الفساد إلى التدخل الفاضح من قبل فروع الأمن في عمل القضاء وبالتالي استشراء الفساد في كل أجهزت الدولة.

8-  وبالنسبة لحرية العمالة فلقد انخفض مقياس حرية العمالة في سورية إلى 48.9 عام 2013 ، وهي أدنى علامة حصل عليها بلد منذ أن بدأ المؤشر بقياس خاصية الحرية الاقتصادية، وقد يعود سبب هذا الانخفاض إلى أن الحد الأدنى للأجور منخفض، بالإضافة إلى ذلك، تُطبّق قيود أخرى لحماية العمّال تعيق قدرة منشآت الأعمال على توظيف اليد العاملة التي هي بحاجة إليها.

وعلاوة على ذلك لقد عرض تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود أن سورية جاءت للعام الثاني على التوالي في ذيل الترتيب بالمنطقة العربية ضمن سلم الحريات الاعلامية والصحافية، حيث احتلت سورية المرتبة 176 عالمياً من ضمن 179 دولة. وصنفها التقرير على أنها البلد الأكثر دموية للصحافيين، وإن التقرير ذكر عشرة دول فرضوا رقابة صارمة على الإعلام من بينها سورية وإيران وكوريا الشمالية.

إن السبب الرئيسي لهذا التدهور في الاقتصاد السوري هو:

الحل الأمني العسكري: الذي مارسه النظام في مواجهة الثورة الشعبية، التي انفجرت أحداثها في مارس 2011، حيث بدأ استخدام القوة ضد المظاهرات الشعبية، وسرعان ما تطورت الأمور إلى حصار المدن والقرى واجتياحها، وإغلاق الطرق العامة، مما شل الحركة العامة وعطل عمل كثير من المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، بالإضافة إلى القصف المدفعي والجوي والصاروخي، التي طالت مدناً وقرى، تم بفعلها تهجير ملايين السكان ودمار كلي أو جزئي للبنية التحتية إضافة لما تم تدميره من مؤسسات ومعامل. حيث تم صرف الجزء الرئيسي من الموازنة على الجيش والأمن والشبيحة ورواتب الموظفين وبعض النفقات الضرورية الأخرى لتسيير ماكينة الدولة حتى تظل حاضرة ومسيطرة. وتم تخصيص الاستهلاك النفطي لصالح الآلة العسكرية، وكذلك القسم الأهم من الموارد المالية، وبهذا توقفت المشاريع والأنشطة الخاصة بالمؤسسات الإنتاجية نتيجة نقص الوقود، وتوقف المواصلات، وخراب البنى التحتية التي لا تتوفر موارد لإعادة إصلاحها وتأهيلها.

إن أساس حل مشكلة تدهور الاقتصاد السوري يكمن في:

إن مؤشرات دمار الاقتصاد السوري مستمرة ومتصاعدة، مما لاشك فيه أن الديون الخارجية الكبيرة، والتراجع الشديد في التصنيع، والانقسام بين المناطق تجعل إعادة بناء الاقتصاد السوري مهمّة شاقّة. إلا أن علاج الوضع الاقتصادي يكمن في وقف العمليات العسكرية أولاً، وأخذ البلاد إلى حل سياسي يوقف الدمار، ويبدأ في توفير أساسيات الحياة للسوريين، ومعالجة ما جرى تخريبه وتدميره في خلال الأزمة.

– المصدر :

–       تقرير مؤسسة Heritage Foundation الأميركية مؤشر الحرية الاقتصادية السنوي لعام 2013. http://www.heritage.org/index

–       منشورات المنتدى الاقتصادي السوري الخاصة بمؤشر الحرية الاقتصادية.

–       منى علمي، 19/11/2013. ضياع مستقبل سورية الاقتصادي، صدى.



[1] – ملاحظة: يتمحور هذا المقياس حول عشرة معايير لقياس مستوى الحريّات الاقتصاديّة في مختلف البلاد حول العالم، وهي: حرية ممارسة الأعمال، حرية التجارة، حرية السياسة المالية، الإنفاق الحكومي، الحرية النقدية، حرية الاستثمار، حرية الموازنة المالية، حقوق الملكية، مكافحة الفساد، حرية العمالة، فقد جمعت تحت 4 فئات هي: سيادة القانون، حجم القطاع العام، الفاعلية التنظيمية، انفتاح الأسواق، وصنّفت كلّ من العوامل العشرة على مقياس تتراوح درجاته من 0 إلى 100 ، بحيث تمثل المئة أعلى تقييم للحرية الاقتصادية لنحو 179 دولة حول العالم.

Related Posts

Comments are closed.