30/12/2013

الحاجة إلى الحماية الدستورية للمنشات الخاصة

الحاجة إلى الحماية الدستورية للمنشات الخاصة

المنتدى الاقتصادي السوري – 30 كانون الأول/ديسمبر 2013

بقلم اندريا “بيكو” جنكنز، زميلة في مبادرة الخدمة العامة بجامعة فاندربيلت  للحقوق

يلعب الدستور دورا هاما في حماية الحريات الاقتصادية، بالإضافة إلى الحريات السياسية. بوصفه الوثيقة القانونية الأساسية للدولة، يمكنه توفير الإطار الضروري لإقامة الحرية التجارية وتعزيز تنمية القطاع الخاص. ويمكن للدولة التي ترغب في إقامة اقتصاد السوق الحرة استخدام الأحكام الدستورية لضمان حماية حقوق الملكية؛ و إنفاذ العقود، والحق في تسويق الدخول والخروج، والحق في المنافسة الحرة، والاستثمار، والتجارة، و الادارة الرشيدة. ان الآليات الهيكلية، مثل الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، تعزز هذه الحقوق وتضمن أن يتم التمسك بها و تطبيقها في الواقع العملي.

ان أهمية الحرية الاقتصادية تكمن في علاقتها بالقيم الديمقراطية. وتقوم الديمقراطية الليبرالية على فكرة الحرية الفردية. ان اقتصاد السوق الحر يعزز الحرية الفردية من خلال السماح للمواطنين ممارسة درجة أكبر في الاختيار — اي مهنة يمارسها، هل يشتري أو يبيع الممتلكات وبأي ثمن، مع من يقوم بالأعمال التجارية، الخ. هذه الحرية الاقتصادية، في المقابل، تساهم في الحرية السياسية. بفصل القوة الاقتصادية عن السلطة السياسية، يساعد اقتصاد السوق على منع تمركز السلطة في يد نظام استبدادي. كما أنه يساهم ايضا في ظهور دائرة أعمال لا تدين بالفضل للحكومة ومجتمع مدني على الحكومة أن تستوعبه بدلا من السيطرة عليه.

اعتمد الدستور السوري الحالي في عام 2012 بناء على طلب من بشار الأسد، في محاولة غير مجدية لنزع فتيل المعارضة عن نظامه. قبل عام 2012، بقي دستور عام 1973 — الذي نفذ بعد فترة وجيزة من مجيء حافظ الأسد إلى سدة الحكم– ساري المفعول. أنشأ كل من الدستورين إطارا اقتصاديا قائما على أساس تخطيط الدولة، والتدخل، وإعادة التوزيع، ووحد كلا نظامي الأسد القوة الاقتصادية والسياسية في الحكومة المركزية.

على الرغم من أن بشار الأسد حاول القيام ببعض الإصلاحات الاقتصادية المتواضعة، واصل العديد من سياسات والده، بما في ذلك تأميم الأصول الخاصة والأجنبية، و الدعم المالي الذي سبب التشوهات الاقتصادية، والقيود الجمركية وغير الجمركية على التجارة الدولية. عمل النظام القانوني على تشجيع الشركات المرتبطة بنظام الأسد ومنع ظهور الدوائر الانتخابية التجارية المستقلة. أدى الاتصال بين نخبة رجال الأعمال والنظام إلى الفساد المقنن، والاستغلال الاقتصادي، وخنق المؤسسات الخاصة. ركدت تنمية القطاع الخاص في وجه إجراءات التسجيل المعقدة، و البيروقراطية، وتكاليف الدخول والخروج العالية، والبيئة التنظيمية الغير مواتية.

عندما تدخل سوريا في الفترة الانتقالية ما بعد النزاع، ينبغي على واضعي الدستور الجديد ادراج أحكام تدعم المنشات الخاصة وتعزز الحرية الاقتصادية والسياسية. وقد اتخذت بلدان مختلفة مجموعة متنوعة من النهج في تفصيل دساتيرها وفقا لذلك، والتي ينبغي دراستها عن كثب في تحديد كيف لدستور سورية المقبل ان يعزز ويحمي المؤسسات الخاصة.

الآليات الدستورية لتعزيز المنشات الخاصة

 حماية حقوق الملكية

تشمل حقوق الملكية الخاصة حقوق الفرد في الاكتساب و الامتلاك، والتمتع ، والاستخدام، و التخلص من الممتلكات الخاصة دون تدخل من الحكومة. وهذا يشمل التحرر من نزع الملكية — عندما تسلب الحكومة الملكية الخاصة من صاحبها — دون مبرر أو تعويض. ان حقوق الملكية القوية مهمة لسببين رئيسيين. أولا، هي مهمة في حد ذاتها لأنها حرية شخصية، أقرب إلى حرية التعبير أو الشراكة. ثانيا، أنها تلعب دورا أساسيا في تسهيل النمو الاقتصادي من خلال تزويد الأفراد والشركات بالأمن اللازم لاستثمار رؤوس أموالهم في اقتناء وصيانة و تحسين عوامل الإنتاج. يشجع تأمين حق الملكية كلا من الاستثمار المحلي والأجنبي، والتي تساهم إلى حد كبير في الحيوية الاقتصادية للدولة. قد تكون الحكومة قادرة على الحد من حقوق الملكية بقدر ما يحظر النشاط الخاص الذي ينتهك حقا من حقوق الآخرين، ولكن لا ينبغي أن يشمل دورها على املاء كيف ينبغي أن تستخدم الممتلكات. وينبغي أن يكون أصحاب ورجال الأعمال قادرين على المشاركة في الاقتصاد دون خوف من تدخل الحكومة بإذن قضائي أو نزع للملكية.

عرف الدستور السوري عام 1973 اقتصاد الدولة بأنه “اقتصادا اشتراكيا مخططا.” (المادة 13) و نظمت الملكية بالقانون، مقسما اياها إلى ثلاثة أنواع: العامة والجماعية والفردية. تغطي الملكية الفردية ممتلكات الأفراد، و تمنح المادة 15 بعض الحماية للملكية الفردية. على سبيل المثال ، لا يمكن أن تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة و مقابل تعويض عادل. و لا يمكن ان تفرض المصادرة الخاصة إلا من خلال حكم قضائي. و تضمن المادة 17 أيضا الحق في الميراث. ومع ذلك، فان الملكية الفردية  لا تمارس الا في إطار اقتصاد اشتراكي. و قد حددت المادة 14 “المهمة الاجتماعية” للملكية الفردية بأنها “تخدم الاقتصاد الوطني في إطار خطة التنمية.” لا يجب استخدام الملكية “بطرق تتعارض مع مصالح الشعب.” و قد نص الدستور كذلك على أن المصادرة الخاصة للاموال كانت جائزة و مقتصرة الحد الأقصى للملكية الزراعية.

ازال الدستور السوري الحالي، الذي اعتمد في 2012، الإشارات الصريحة للاشتراكية لكنها استمرت في دعم عدد من الميزات الاقتصادية الاشتراكية. احتفظت بالأنواع الأساسية الثلاثة للملكية وشملت الحماية الممنوحة للملكية الخاصة. و حددت ايضا على ان مصادرة الممتلكات لا يمكن فرضها دون حكم قضائي نهائي وأن يكون التعويض معادلا للقيمة الحقيقية للممتلكات. ومع ذلك، فأنها حافظت على الحد القانوني على الملكية الزراعية والاستثمار، ووسعت الحالات التي يمكن نزع الملكية فيها لتشمل فئة غامضة من “ضرورات الحرب والكوارث.” ينبغي على الدستور المستقبلي أن يسعى إلى تعزيز حقوق الملكية الخاصة و التأكد من أن الأحكام الدستورية الأخرى لا تقيد أو تقوض هذه الحقوق.

ان دراسة دساتير الدول الأخرى توضح الطرق الكثيرة التي يمكن للدستور أن يأمن فيها حق الملكية الخاصة. وينص الدستور العراقي على وجه التحديد، “ان الملكية الخاصة مصونة”. ويعدد مزيدا من حق المالك في “الاستفادة، و الاستغلال، والتخلص من الملكية الخاصة في حدود القانون.” و يحدد الدستور الليبي بالمثل، “ستكون الملكية الخاصة محمية.” انه يتعامل تحديدا مع حرية نقل الملكية، ناصا على انه: “لا يمكن منع المالك من التصرف في ملكه في حدود القانون.” و يحمي مشروع الدستور المصري بشكل صريح الحق في وراثة الممتلكات. يقترح المشرع القانوني برنارد سيغان حكما أكثر شمولا: “لكل شخص الحق، بمفرده أو بالاشتراك مع آخرين، بشراء وحيازة واستئجار وتملك واستخدام ورهن وبيع وإيجار ونقل وتوريث و وراثة الممتلكات الخاصة”(57)

لدى معظم الدساتير التي تحمي الملكية الخاصة حكما يحظر مصادرة الاملاك إلا من خلال العمليات القانونية. على سبيل المثال، ينص الدستور المغربي، “ان نزع الملكية يشرع فقط في الحالات والأشكال المنصوص عليها في القانون.” و فضلا عن حماية الحرية الاقتصادية، فان التحرر من نزع الملكية التعسفي يؤمن الحرية الشخصية عن طريق ابعاد سلطة حكومية قد تكون قسرية. و قد اشار قاضي المحكمة العليا في الولايات المتحدة جوزيف ستوري مرة الى “[في] حكومة حرة، قد تصبح جميع الحقوق الأخرى بلا قيمة على الإطلاق، إذا امتلكت الحكومة قوة لا يمكن السيطرة عليها على الثروات الخاصة لكل مواطن.” (سيغان،58)

تسمح العديد من الدساتير ْ بمصادرة الحكومة لبعض الملكية الخاصة، ولكن فقط من أجل الصالح العام وبعد دفع تعويض عادل. على سبيل المثال، ينص الدستور العراقي على “لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل، و سيكون منظما من قبل القانون.” تستخدم المادة 15 من الدستور اللبناني لغة مماثلة: “ان الملكية محمية بالقانون. و لا يمكن مصادرة ملكية أي احد إلا لأسباب المنفعة العامة وفقا للشروط المنصوص عليها في القانون و تعويض عادل له”.

بما ان جميع الأحكام الدستورية تخضع للتفسير القضائي، فان لعبارات مثل “الملكية الخاصة”، و “الاستخدام العام”، و “التعويض العادل” معان مختلفة اعتمادا على المحكمة التي ستبت في القضية. لاقصاء بعض الريبة التي تأتي مع التفسير القضائي، قد يقدم المشرعون تعريفات للمصطلحات الأساسية التي تنص على أقصى قدر من الحماية للملكية الخاصة. في حين قد يترك هذا مجالا للتقدير القضائي، فإنه على الاقل سيزود القضاة بتوجيهات دستورية إضافية. على سبيل المثال، يقترح سيغان أن الملكية الخاصة تشمل على “أي أصول أو شئ ذو قيمة يمتلكه شخص عادي أو شركة؛” و ان الاستخدام العام يقتصر على الافعال “ضروريا للغاية لتوفير الخدمات الحكومية الأساسية؛” و ان التعويض العادل يتطلب دفع قيمة السوق للممتلكات بالإضافة إلى تعويض أي خسائر مستمرة. (56)

حماية الحقوق التعاقدية

  تسمح الحقوق التعاقدية اقتصاديات السوق بالعمل. يجب أن يكون المواطنون أحرارا في الدخول في عقود من اختيارهم و ان يشعروا بالأمان من أن تلك العقود سوف تدعم من أجل الانتقال من نظام تبادل شخصي إلى نظام تبادل غير شخصي. ان تبادلا أكبر في السوق يؤدي إلى منافسة اكبر، وبالتالي يحفز النمو الاقتصادي. من أجل تسهيل اقتصاد السوق، يجب على النظام القانوني في الدولة منح الأفراد حرية إبرام العقود و اتخاذهم مسؤولين عن الإخلال بالعقد.

لا تذكر الدساتير السورية 1973 او 2012 الحقوق التعاقدية بأي شكل من الأشكال، ولكن توفر دساتير الدول الأخرى أمثلة ممكنة من الأحكام. قد يحفظ الدستور بشكل صريح حرية التعاقد. على سبيل المثال، تصرح المادة 35 من الدستور المغربي، “تكفل الدولة حرية التعاقد وحرية المنافسة.” يمكن أيضا أن تصاغ الحرية التعاقدية كحق فردي من خلال تعداد حق كل شخص “للدخول في اتفاقيات ملزمة تحتوي على الأحكام التي يختارونها. “(سيغان، 57) ومن ناحية أخرى، فإن الدستور قد يعمل لمنع الحكومة من المساس بالتزاماتها التعاقدية. على سبيل المثال، يحظر دستور الولايات المتحدة على الولايات تمرير القوانين التي تنال من التزامات العقود.

الحق في دخول السوق والمنافسة الحرة

 بعيدا عن حماية الحق في دخول السوق والمنافسة الحرة، دحض الدستور السوري لعام 1973 مفاهيم السوق الحرة. أعلنت المقدمة أن “السير نحو إقامة نظام اشتراكي” كان ضروريا لتلبية احتياجات المجتمع العربي، بالاصافة الى تعبئة “طاقات الجماهير العربية في معركتها ضد الصهيونية والإمبريالية.” عرفت المادة 13 اقتصاد الدولة على انه اقتصاد اشتراكي مخطط، و ثبتت المادة 8 حزب البعث العربي الاشتراكي على انه “الحزب القائد في الدولة و المجتمع.” على الرغم من عدم الاشارة مباشرة للاشتراكية، اقام دستور 2012 الاقتصاد الوطني على اساس تطوير المنشات العامة والخاصة من خلال “الخطط الاقتصادية والاجتماعية.” و كما في نسخة عام 1973، يكون العمل “حق واجب على كل مواطن”، ويتعين على القانون “تنظيم العمل، وشروطه وحقوق العمال.” (المادة 40) تقتضي المادة 59 أن يكون نصف أعضاء مجلس الشعب من العمال والفلاحين. يرتكز هذا الإطار الدستوري على النموذج الاقتصادي الشديد المركزية المتبع من قبل كلا نظامي الأسد. من أجل تعزيز المنشات الخاصة، ينبغي على الدستور السوري المستقبلي ان يستبدل هذه الأحكام باخرى تدعم الحرية الاقتصادية.

يمكن للدساتير ان تلعب دورا في تسهيل المنافسة في السوق الحرة بعدد من الطرق. على سبيل المثال، ان القدرة على اختيار المهنة و دخول أعمال التجارية من اختيار المرء أمر ضروري لتعزيز المنافسة في السوق. و تشير بعض الدساتير إلى حق الشخص في المشاركة في أي مهنة مشروعة أو نشاط اقتصادي، والسماح بدخول السوق الحرة. ينص الدستور الألباني على ان، “لكل فرد الحق في كسب وسائل العيش من خلال عمل قانوني يختاره بنفسه أو يقبله. فهو حر في اختيار مهنته ومكان عمله ونظامه الخاص بالمؤهلات المهنية.” وبالمثل، ينص دستور إريتريا على انه “سيكون لكل مواطن الحق في المشاركة بحرية في أي نشاط اقتصادي والانخراط في أي عمل قانوني “.

تشير الدساتير الأخرى بشكل عام إلى مبادئ اقتصاد السوق الحرة. فيضمن الدستور العراقي إصلاح الاقتصاد العراقي “وفقا للمبادئ الاقتصادية الحديثة لضمان الاستثمار الكامل لموارده، وتنويع مصادره، وتشجيع وتنمية القطاع الخاص.” و ينص دستور كوسوفو على ان، “اقتصاد السوق مع المنافسة الحرة هو أساس النظام الاقتصادي لجمهورية كوسوفو.” و قد ترغب الدولة في توضيح اكثر، و ذلك من خلال الالتزام بتعزيز تنظيم المشاريع بشكل صريح أو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم.

يمكن أيضا للدستور أن يشجع بصراحة الاستثمار، على المستويين المحلي والأجنبي. يضمن الدستور العراقي على أن الدولة سوف تشجع الاستثمار في مختلف القطاعات. كوسوفو، من ناحية أخرى، تحمي بشكل صريح الاستثمار الأجنبي. ينص دستورها على انه، “يضمن للمستثمر الأجنبي الحق في تحويل الأرباح ورأس مال الاستثمار بحرية خارج البلاد وفقا للقانون.”

تخدم التجارة الدولية في توسيع السوق إلى المستوى العالمي، وبالتالي زيادة المنافسة. و بينما تتعامل معظم الدول بالقانون التجاري خارج الدستور، يشمل عدد قليل من الدول التزاما دستوريا لحرية التجارة على المستوى الدولي. على سبيل المثال، ينص دستور تايوان على ان “المنشات الإنتاجية الخاصة والتجارة الخارجية للمواطنين سوف تحظى بالتشجيع، والتوجيه، وحماية الدولة.” و يعلن دستور كوريا الجنوبية ببساطة أن الدولة “يجب ان تشجع التجارة الخارجية.”

بالتزامن مع التعزيز الإيجابي لمنافسة السوق الحرة، يمكن للدولة أن تحمي أيضا أداء اقتصاد السوق عن طريق منع الاحتكار والمنافسة غير النزيهة. بعد الاعلان على أن “حرية السوق و المنشات سوف تكون أساس النظام الاقتصادي لجمهورية كرواتيا،” صرح دستور كرواتيا على ان “الدولة ستكفل لجميع رجال الأعمال وضعا قانونيا على قدم المساواة في السوق. و سيحظر إساءة استخدام موقف السوق التي يحدده القانون.” اما دستور المغرب فانه يأخذ نهجا مختلفا، و ذلك بخلق مجلس منافسة مكلف بضمان “الشفافية والمساواة في العلاقات الاقتصادية ” والسيطرة على “الممارسات المانعة للمنافسة”، و “الممارسات التجارية غير العادلة”، و”عمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار.”

مكافحة الفساد

يفضل معظم الدساتير التصدي للفساد من خلال دمج الآليات الهيكلية المصممة لضمان الشفافية والمساءلة (تناقش أكثر أدناه). ومع ذلك، فان عددا قليلا من الدساتير تختار التعامل مع هذه القضية بشكل مباشر. و يستخدم بعض الدول الدستور لإنشاء مؤسسات متخصصة في مكافحة الفساد. على سبيل المثال، يوكل الدستور المغربي المعهد الوطني للنزاهة ، لمنع و النضال ضد الفساد بمهام تنفيذ سياسات مكافحة الفساد و تعزيز “مبادئ الادارة الرشيدة، و ثقافة الخدمة العامة، وقيم المواطنة المسؤولة.” تنص مسودة الدستور التونسي على هيئة وطنية لإدارة ومكافحة الفساد، مع تفويضهم بمنع والتحقيق في الفساد. وجب عليها “المساهمة في سياسات الادارة الرشيدة ومكافحة الفساد وستكفل وجود الشفافية. . . و نشر ثقافة ذات الصلة”، بالإضافة إلى الكشف عن “حالات الفساد في كل من القطاعين العام والخاص”، و إحالة القضايا إلى السلطات المختصة بعد التحقيق.

تخضع فعالية مؤسسات مكافحة الفساد للنقاش. فهم غالبا ما يواجهون عددا من الصعوبات، بما في ذلك عدم وجود إرادة سياسية عالية المستوى لجعلها تعمل، و موارد وقدرات محدودة، و تفويضات غير واضحة، و إساءة استخدام الأغراض السياسية. من ناحية أخرى، فإنها يمكن أن تلعب أحيانا دورا مفيدا في المساهمة في توعية الجمهور، وتلقي شكاوى المواطنين، وتحديد حالات الفساد. حتى لو رغبت الدولة في إنشاء مؤسسة لمكافحة الفساد، فليس عليها أن تفعل ذلك في الدستور. وتشمل الخيارات الأخرى القوانين التي يقرها المجلس التشريعي أو الأمر التنفيذي.

قد ترغب الدول أيضا في شمل الأحكام الدستورية التي تحظر الفساد بشكل صريح. في دستورها لعام 1999 اعلنت نيجيريا أن الدولة “سوف تلغي جميع الممارسات الفاسدة وإساءات استعمال السلطة.” ومع ذلك، فإن الآليات الدستورية الأكثر فعالية للتعامل مع الفساد هي على الأرجح تلك التي تخلق هيكلية الدولة و تفضي إلى ادارة رشيدة. وتشمل الأمثلة الأحكام التي تنص على الفصل بين السلطات، وحقوق الأفراد، والشفافية، ومشاركة المواطنين، واستقلال السلطة القضائية والهيئات الأخرى المسؤولة عن ضمان المساءلة (على سبيل المثال، غرفة المراجعة والسلطة الانتخابية).

 الفصل بين السلطات واستقلال القضاء

  في النهاية، ستصبح الأحكام الدستورية المصممة لدعم المنشات الخاصة بلا معنى ما لم تنفذ عمليا و تطبق. و بينما يمكن للدستور استخدام آليات هيكلية متعددة لتحقيق هذه الغاية، فان اثنين مهمين منهما يستحقان دراسة أعمق: الفصل بين السلطات واستقلال القضاء. فمن دون عمل الفصل بين السلطات واستقلال القضاء كضابط على السلطة المركزية، يمكن لنظام استبدادي تجاهل الضمانات الدستورية للمنشات الخاصة لصالح سياسات يحبذها انصاره.

ينص كل من دساتير 1973 و 2012 السورية على صلاحيات رئاسية قوية، غير مقيدة بالكامل بضوابط و موازين هيكلية. على الرغم من أن دستور عام 1973 ينص على أن “السلطة القضائية مستقلة،” فأن هذا الاستقلال مكفولا من قبل “رئيس الجمهورية بمساعدة المجلس الأعلى للقضاء.” و يرأس الرئيس ايضا المجلس الأعلى للقضاء. و توصي المادة 139 على أن المحكمة الدستورية العليا تتألف من خمسة أعضاء، “واحد منهم سيكون الرئيس، وجميعهم يتم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية بمرسوم.”

يمنح دستور 2012 الرئيس سلطة اقل على المحكمة الدستورية العليا، ناصا فقط على أنه سيقوم بتسمية رئيس المحكمة بمرسوم. ومع ذلك، فان المواد 96-117 تعدد انظمة من الصلاحيات الرئاسية الواسعة التي تعمل على تركيز السلطة الحكومية في السلطة التنفيذية. على سبيل المثال، قد يقرر الرئيس حل مجلس الشعب حسب هواه. فهو يتولى سلطة التشريع “عندما لا يكون مجلس الشعب في انعقاد، أو خلال الجلسات إذا تطلبت الضرورة ذلك، أو في الفترة التي يكون فيها المجلس منحلا.” وعلاوة على ذلك، فهو يمتلك سلطات طوارئ وليس مسؤول عن الأعمال التي يفعلها في أداء مهامه إلا في حالات “الخيانة العظمى”.

يتطلب ضمان الحريات الاقتصادية والسياسية للمواطنين فصل السلطة من خلال وضع الضوابط و الموازين. ان الفصل بين السلطات يعني أن يكون لكل فرع من فروع الحكومة دور واضح و محدد والا يتدخل في سير عمل الفروع الأخرى. يستتبع ذلك أيضا قدرا من المساءلة بين الفروع. على سبيل المثال، يمكن للهيئة التشريعية الإشراف على عمل السلطة التنفيذية بالموافقة على المرشحين للرئاسة، و يمكن للرئيس الإشراف على السلطة التشريعية من خلال سلطة الاعتراض على القوانين، و يمكن للسلطة القضائية أن تحمي حقوق المواطنين من خلال ضمان التزام الفرعين الآخرين بالدستور و القانون.

نظرا لدور القضاء الحاسم في الحفاظ على الدستور، من الضروري أن يؤسس الدستور قضاء مستقلا. يؤيد العديد من الدساتير استقلال القضاء بالكلام فقط، بما في ذلك دساتير 1973 و 2012 السورية. ولكن يجب على مزيد من الأحكام ترجمة مصطلح “استقلال القضاء” من مجرد كلام إلى واقع عملي ملموس. فينبغي أن يذكر بصراحة بأنه على القضاة اصدار و تنفيذ القرارات بالنيابة عن الشعب. وينبغي انتقاء القضاة من خلال مزيج من الجدارة والتعيين، و ان تشمل عملية التعيين فروع متعددة. على سبيل المثال، يمكن للرئيس ترشيح المرشحين و للمجلس التشريعي حق الموافقة أو عدم الموافقة على هؤلاء، و العكس بالعكس. و كبديل عن ذلك، يمكن لمجلس قضائي مستقل ان يرشيح المرشحين كي يختارهم رئيس الجمهورية أو السلطة التشريعية. فيجب على القضاة ان يقضوا أحكاما متداخلة لا تتزامن مع فترة الرئاسة، كي لا يحتكر الرئيس الواحد التعيينات. و ينبغي تنظيم عزل القضاة من قبل المجلس القضائي المستقل، أو يمكن ان تحدد قرارات السلطة من خلال اخذ موافقة السلطة التشريعية أو عرض اسباب عادلة.

 قد يستخدم الدستور مجموعة متنوعة من الآليات لدعم استقلال القضاء. فالأمثلة السابقة تعرض ببساطة عددا قليلا من الطرق التي يمكن ان يضمن بها الدستور أن تكون المحاكم مسؤولة أمام الناس وليس حسب أهواء السلطة التنفيذية.

يدعم الإطار الدستوري الحالي في سوريا النظام الاقتصادي الذي يركز السلطة في المركز، ويشجع الوصاية على حساب المنشات الحرة. سيكون لمشرعي الدستور الجديد الفرصة لإرساء الأسس لنظام اقتصادي مختلف داخل سوريا. بدمج الأحكام التي نوقشت أعلاه — حماية الملكية الخاصة والحقوق التعاقدية، والحق في دخول السوق والمنافسة الحرة، ومكافحة الفساد، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء،– يمكن للمشرعين تعزيز المنشات الخاصة و تشجيع الحرية الاقتصادية والسياسية داخل الدولة السورية.

[ لا يعكس هذا التقرير بالضرورة وجهة نظر المنتدى الاقتصادي السوري ]

 المصادر

بيجوفيتش، بوريس. “قيادة النمو خلال الحرية الاقتصادية وسيادة القانون” خدمة ميزات الإصلاح الاقتصادي. مركز المؤسسات الخاصة الدولية، 2012.

 http://www.cipe.org/sites/default/files/publication-docs/FS_03-30-2012_BB_0.pdf .

 بيجوفيتش، بوريس. “كيف تؤثر الديمقراطية على النمو” خدمة ميزات الإصلاح الاقتصادي. مركز المؤسسات الخاصة الدولية،2013.

 http://www.cipe.org/sites/default/files/publication-docs/FS_06-30-2013_BB_Democracy.pdf .

 سن التشريعات. مشروع الدساتير النسبية، أفكار جوجل، و منظمة انديغو.

 https://www.constituteproject.org/#/ .

مركز المؤسسات الخاصة الدولية. “مقابلة مع هيرناندو دي سوتو.” الإصلاح الاقتصادي اليوم: حقوق الملكية والديمقراطية.1996 .

 ايلي، جيمس و. “الدستور و الحرية الاقتصادية.” مجلة هارفارد للقانون والسياسة العامة. 35:1 (2012): 27-53.

 فريدمان، ميلتون. الرأسمالية و الحرية. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 2002.

 كاينن، جيمس ل. “الإطار التاريخي لإحياء الحماية الدستورية لحقوق الملكية و العقد.” مراجعة قانون كورنيل. 79:87 (1993): 87-142 .

 اولايا، و خوانيتا، و كارين هسمان. “منع ومكافحة الفساد: الادارة الرشيدة و القانون الدستوري في تونس” توحيد الربيع العربي: الانتقال الدستوري في مصر وتونس رقم 6 (2013):

http://constitutionaltransitions.org/consolidating-arab-spring/ .

 اوسنبل، فريتز. “الدولة و السوق في النظام الدستوري.” مراجعة قانون SMU .53 (2000) :561-575

 المنتدى الدستوري للشرق الأوسط. الحق في اللاعنف.

 http://www.righttononviolence.org/mecf/ .

 روشتي ، جفري راي، أد. دساتير العالم المصورة: المغرب. بوفالو: ويليام س. شركة هاين وشركاه، 2011.

 سنقر، مجد الدين. “دور مجتمع الأعمال السوري في السياسة السورية “. المنتدى الاقتصادي السوري 6 سبتمبر 2013 .

http://www.syrianef.org/En/?p=2320 .

 سيغان، برنارد ه. صياغة دستور لأمة أو جمهورية تنبثق الى الحرية. فيرفاكس: مطبعة جامعةجورج ماسون، 1994.

 المركز السوري للدراسات السياسية والإستراتيجية. خارطة طريق سوريا الانتقالية. واشنطن العاصمة: 2013.

 واغنر، ريتشارد إي. “الحماية الدستورية للملكية الخاصة.” من يمتلك البيئة؟ المحرران بيتر هيل وروجر ماينرز. أكسفورد: رومان وليتل فيلد للنشر، وشركة، 1998.

Related Posts

Comments are closed.