30/12/2013

تقييم المقترحات الدستورية في “خارطة طريق سوريا الانتقالية”

تقييم المقترحات الدستورية في “خارطة طريق سوريا الانتقالية”

المنتدى الاقتصادي السوري – 30 كانون الأول/ديسمبر 2013

 بقلم اندريا “بيكو” جنكنز، زميلة في مبادرة الخدمة العامة بجامعة فاندربيلت  للحقوق

إضافة إلى “الحاجة إلى الحماية الدستورية للمشاريع الخاصة

في ” خارطة طريق سوريا الانتقالية” ، ايد المركز السوري للدراسات السياسية والإستراتيجية (SCPSS) وبيت الخبراء السوري (SEH)[1] دعوة الحكومة الانتقالية المستقبلية لإصدار مرسوم يعلق دستور عام 2012، و يعيد مؤقتا دستور عام 1950 دون تعديل، و ذلك الي حين اصدار دستور جديد دائم.[2] تركز خارطة الطريق على دستور عام 1950 كنقطة انطلاق نظرا لكون الجمعية التأسيسية التي قامت بصياغته قد انتخبت شعبيا (بما فيهم النساء)، وبالتالي تتمتع بشرعية شعبية. و قد كانت متقدمة فيما يتعلق بالحقوق والحريات في ذلك الوقت (استنادا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948). تؤكد خارطة الطريق “ان دستور عام 1950، و المعروف أيضا بدستور الاستقلال، هو تطور ديمقراطي كبير في سوريا. و قد اكد هذا الدستور بان سوريا دولة ذات تمثيل نيابي، منح فيه صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء، وفي الوقت ذاته حد من صلاحيات الرئيس. كما عزز الدستور السلطة القضائية و ديمقراطية الدولة و مؤسساتها، وذلك من خلال تحديث المحكمة العليا “.[3]

تلاحظ خارطة الطريق ان دستور عام 1950 يحتوي على بعض النواقص – لقد تم وضعه قبل 63 عاما في وضع اجتماعي و سياسي مختلف للغاية، و كانت الاحكام المتعلقة بالحقوق الفردية والحريات تحتاج إلى تحديث في ضوء الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي قد صدقت عليها سوريا.[4] ومع ذلك، فان SCPSS وSEH تؤمنان بان دستور عام 1950 قد يلعب دورا هاما في تنظيم الفترة الانتقالية الى حين ان يتم انتخاب لجنة جديدة لتعديل الدستور. لن يكون من الممكن انتخاب هذه اللجنة مباشرة بعد سقوط النظام، وبالتالي فإنه لا تعديل لدستور عام 1950 مباشرة في بداية الفترة الانتقالية “بطريقة ترضي طموحات السوريين لدولة تحترم الدستورية والشرعية القانونية”. لهذا، فإن دستور عام 1950 سيكون بمثابة نقطة بداية الي حين اتفاق السوريين على آلية صياغة دستور جديد ودائم.

بينما تقدم خارطة الطريق العديد من الأسباب الكثيرة لاستخدام دستور عام 1950 كنقطة بداية حتى اعتماد دستور دائم، فان دستور عام 1950 لا يوفر حماية كافية للحريات الاقتصادية وتنمية القطاع الخاص. و تنص خارطة الطريق ايضا على: “[ا]ن صياغة الدستور يحتاج إلى مزيد من التعليق و الايضاح فيما يخص الممتلكات العامة والخاصة والحريات في التملك والعمل والاستثمار الموضحة في المواد 21 إلى 26”. من المهم تحليل النواقص الاقتصادية في دستور عام 1950 قبل ان تصبح تلك الأحكام ملامح راسخة في الدولة السورية.

الحقوق الاقتصادية والحريات:

يقدم دستور عام 1950 نموذجا اقتصاديا تهيمن عليه وسائل اشتراكية من سلطة الدولة وتدخلها، مع حماية ضعيفة و مقيدة لحقوق الملكية. و تنص المادة 151 على أن الدولة “ستتولى الإشراف على وتنظيم الاقتصاد الوطني من أجل تأمين مستوى عال من المعيشة للشعب من خلال الاستفادة من الأراضي، وتشجيع الصناعة والتجارة، وتوفير العمل لجميع المواطنين.” عوضا عن السماح للأفراد بمتابعة أنشطتهم الاقتصادية بحرية، تنص المادة 145 على تاسيس مجلس اقتصادي دائم مكلف باقتراح الخطط والبرامج الاقتصادية.

تنص المادة 21 فيما يخص الممتلكات العامة والخاصة: “إن الدولة والأشخاص الاعتباريين والأفراد لهم الحق في الملكية، ووفقا للقيود التي ينص عليها القانون” على الرغم من ضمان هذه المادة حق الملكية الخاصة، فإنه يضعف هذا الحق بنصه على: “سيحدد القانون وسائل توفي بموجبها الحيازة والتصرف في الممتلكات على وظيفتها الاجتماعية.” و كذلك يحظر على أي شخص استخدام الملكية الخاصة “في طريقة تتعارض مع المصلحة العامة.” تحتوي هذه الأحكام على لغة لينة و واسعة جدا، مما يجعلها عرضة لسوء المعاملة في حال رغبت الحكومة أن تتدخل بشكل تعسفي في حق الفرد في الحصول على و التملك والتمتع والاستخدام والتصرف في الممتلكات الخاصة بطريقة من اختياره.

تتضمن المادة 22 على قيود أكبر على حق الفرد في ملكية الأرض. فإنها تفرض التزاما للاستفادة من الأراضي وتنص على أن “حق الفرد للاستخدام سيسقط إذا ما أهملت الأرض لفترة من الزمن يحددها القانون.” وعلاوة على ذلك، فإنها توفر الحد القانوني الأقصى لمساحة الأرض التي يجوز تملكها واستغلالها والتصرف فيها. في محاولة لإعادة التوزيع الاشتراكي للاراضي، فان المادة 22 تدعو كذلك الدولة لتوزيع الأراضي بين الفلاحين الغير مالكين، و تدعو إلى “تشجيع إنشاء الجمعيات التعاونية والإشراف عليها.”

و عوضا عن التمسك بحرية حق الفرد من نزع الملكية الغير معقول و منع الحكومة من أخذ الممتلكات إلا بالقانون، ولاجل المصلحة العامة، و خاضعا للتعويض العادل، فان المادة 21 قد عكست هذه الصياغة. حيث انها اكدت حق الحكومة في مصادرة الممتلكات، ولو كان خاضعا لقيود. وتنص ايضا على انه”يجوز نزع الملكية على أساس المرافق العامة، على أن تتم وفقا لقانون يعطي الحق في الحصول على تعويض عادل.” اضافة الى ذلك، فانه في حين أن المصادرة العامة للأموال ممنوعة، يسمح في حالات خاصة بالمصادرة اما بموجب امر قضائي أو “في حالات الضرورة في زمن الحرب أو الكوارث العامة”.

قد تعطي احكام (المادة 23) الحكومة سلطات بعيدة المدى خلال أوقات الاضطرابات العامة و تحمل في طياتها خطر أن يقوم المسؤولون الحكوميون باستيلاء غير مبرر لممتلكات بعض الشخصيات المنشقة او المعارضة. و تمنح المادة 24 أيضا الدولة حقوقا واسعة ل “تأميم أي مؤسسة أو مشروع على أساس المنفعة العامة” مع مراعاة تعويض عادل (و هو مصطلح لازال غير معرف).

توفر المادة 26 وسائل أخرى لسيطرة الدولة على النشاط الاقتصادي. وتمنح الدولة القدرة على تامين العمل لمواطنيها “عن طريق توجيه وتطوير الاقتصاد الوطني.” و بينما توفر العديد من الدول الحماية للعمال، مثل الحد الأدنى للأجور أو تعويضات العجز، فإن هذه المادة لديها القدرة على تسهيل سيطرة اكبر للدولة على الشركات. واضافة الى ذلك، فإن المادة 29 تسمح للعمل الإجباري في حالات معينة (ل) “تقديم الخدمات الثقافية و الإنشائية والصحية” و “مواجهة الكوارث العامة” و “في حالات الحرب و الطوارئ”. و يمكن تفسير هذه الفئات على نطاق واسع، مما قد يسمح للدولة في أن تمارس سلطات واسعة للإكراه على عمل الفرد.

لا ينبغي أن يستخدم دستور عام 1950 كنموذج اقتصادي للدولة السورية. فهو يمنح الدولة سلطات واسعة للسيطرة والتدخل في

النشاط الاقتصادي، في حين انه يقيد في الوقت ذاته حقوق الأفراد في الملكية الخاصة والمشاريع الحرة. ان الدستور السوري، خلال

الفترة الانتقالية وما بعدها، ينبغي ان يتمسك بايجاب بحقوق الأفراد في الملكية الخاصة والحرية التعاقدية و اختيار المهنة و دخول

السوق والمنافسة الحرة. اضافة الى ذلك، ينبغي عليه حماية هذه الحقوق من تدخل الحكومة.

استقلال القضاء والفصل بين السلطات:

يوفر دستور عام 1950 أساسا قويا لاستقلال القضاء. فإنه يبدأ بالضمانات الأساسية التي وجدت في معظم الدساتير (بما في ذلك الدساتير السورية 1973 و 2012): “إن القضاء سلطة مستقلة؛” (المادة 104)، و “القضاة مستقلون و ان السلطة الوحيدة فوقهم في ممارسة سلطاتهم هو القانون.”(المادة 105) ولكن الأهم من ذلك، انه يشمل ضمانات هيكلية تمنع القضاة من ان يكونو تابعين لاي فرع آخر من الحكومة.

وينقسم القضاء إلى ثلاثة مستويات من المحاكم: المحكمة العليا، ومحكمة الاستئناف العليا، و المحاكم العادية.(المادة 106 ) وتتألف المحكمة العليا من سبعة أعضاء يتم اختيارهم من خلال عملية تجمع بين الجدارة و التعيين و تضم كلا من رئيس الجمهورية و مجلس النواب، وبالتالي تحقق إندماج الضوابط والتوازنات. يختار الرئيس قائمة من أربعة عشر مرشحا من “الأفراد المؤهلين ذوي شهادات جامعية عالية وقد بلغوا الأربعين من العمر.” (المادة 116) ثم ينتخب مجلس النواب الأعضاء من تلك القائمة، وذلك لولاية مدتها خمس سنوات، و يجوز إعادة انتخابهم، ولا يجوز عزل العضو إلا بموجب مرسوم يوافق عليه أربعة أو أكثر من الأعضاء. (المادة 118) تنتخب المحكمة العليا رئيسا للمحكمة بأغلبية أصوات أعضائها. (المادة 119 ) تتحمل المحكمة المسؤولية عن النظر في دستورية القوانين والمراسيم، و القرارات الإدارية، وكذلك لدراسة صحة الانتخابات. (المادة 122 ) وتجري أيضا محاكمة الرئيس اذا اقر مجلس النواب اتهامه بانتهاك الدستور، او الخيانة العظمى، أو الجرائم العادية. (المادة 86)

يخضع ترشيح وترقية ونقل وتأديب وإقالة القضاة الى مجلس القضاء الأعلى. (المادة 124) ويتكون مجلس القضاء الأعلى هذا من سبعة أعضاء: رئيس قضاة المحكمة العليا كرئيسا، واثنين من أعضاء المحكمة العليا، و أربعة قضاة ذو مراتب عليا من محكمة الاستئناف العليا. (المادة 123) و يضمن هذا النظام بقاء القرارات المتعلقة بتكوين السلطة القضائية مستقلة عن افرع الحكومة السياسية.

و بشكل عام -خارج القضاء- فان دستور عام 1950 يقوم بعمل رائع في ادخار الفصل بين السلطات و تحقيق إندماج الضوابط والتوازنات. فعلى سبيل المثال، فان المادة 59 توصي بأن البرلمان “لا يجوز له التنازل عن سلطاته التشريعية.” و هذا يؤكد على أن مجلس النواب لا يمنح الرئيس كل السلطات التنفيذية والتشريعية، وبالتالي ترتكز معظم السلطة في المركز. ويعتبر المجلس في حال انعقاد دائم. (المادة 43) يجوز لرئيس الجمهورية تقديم مشاريع قوانين، وهو مسؤول عن إصدار مشاريع القوانين التي يجيزها مجلس النواب. (المادتان 58 و 61) ويجوز للرئيس أيضا اعادة مشاريع سبق تمريرها لإعادة النظر فيها، ولكن يتم إصدار هذه القوانين مباشرة إذا تم الموافقة عليها ثانية بالأغلبية المطلقة. (المادة 62) إذ اعترض ربع اعضاء المجلس النواب أو الرئيس على شرعية احد القوانين، يجب على المحكمة العليا البت في هذه المسألة. (المادة 63)

ينتخب مجلس النواب رئيس الجمهورية عن طريق اقتراع سري. (المادة 71 ) و لا يجوز للرئيس ان يكون نائبا للرئاسة في الوقت ذاته. (المادة 74) وتستمر ولايته لمدة خمس سنوات، ولا يحق له اعادة انتخابه الا بعد انقطاع مدة تعادل مدة ولايته. (المادة 73) وهو مسؤول عن تعيين رئيس الوزراء وأعضاء مجلس الوزراء الآخرين (بناء على توصية من رئيس الوزراء). (المادة 90) وفي حين انه يحق له حل المجلس في بعض الظروف المعينة[5]، فانه يجوز للمجلس محاسبته ايضا من خلال الاقالة. (المادتان 85 و86)

هذه الأحكام تقدم تناقضا واضحا مع دساتير عام 1973 و 2012، و التي قد منحت الرئيس قوة واسعة دون رادع، بما في ذلك

سيطرة واسعة على السلطة القضائية. و قد عملت الآليات الهيكلية الموجودة في دستور عام 1950 على نزع السلطة ومنع نشوء

دكتاتورية إذا ما نفذت بشكل صحيح. اما إذا تم استخدامها بالمشاركة مع الأحكام التي تنص على حقوق الملكية وحماية المؤسسات

الخاصة، فإنها تساعد على ضمان أن تدعم الدولة السورية ممارسة الحريات الاقتصادية.

الخاتمة:

لا يوفر دستور عام 1950 نموذجا اقتصاديا مقبولا بالنسبة لسوريا، حتى خلال الفترة الانتقالية. وينبغي تشجيع و رعاية المشاريع الخاصة منذ بداية الفترة الانتقالية من أجل تهيئة الظروف لإنعاش الاقتصاد السوري. ان اعتماد الأحكام الاقتصادية الموجودة في دستور عام 1950، ولو مؤقتا، يشكل خطرا على قمع القطاع الخاص في الأجل القصير و ترسيخ السياسات المرتكزة على الدولة في المدى الطويل. يجب على واضعي دستور المستقبل ان يتضمنوا بعض الآليات الهيكلية من دستور عام 1950 و ذلك لضمان استقلال القضاء و الفصل بين السلطات، وينبغي جمع هذه الاحكام لتشجيع المشاريع الخاصة والحرية الاقتصادية. وينبغي اعتماد آليات مؤقتة أثناء الفترة الانتقالية لحماية الملكية الخاصة و الحقوق التعاقدية و اختيار المهنة و دخول السوق و المنافسة الحرة. ومع ذلك، ان لم يكن ممكنا اعتماد هذه الآليات المؤقتة لأسباب سياسية، سيكون من الأفضل الامتناع عن معالجة القضايا الاقتصادية حتى صياغة دستور دائم، عوضا عن اتباع اي توجه اقتصادي من دستور عام 1950.

[ لا يعكس هذا التقرير بالضرورة وجهة نظر المنتدى الاقتصادي السوري ]


[1] تمام البارودي، و هو نائب الرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي السوري، و هو أيضا عضو في بيت الخبراء السوري.

[2]  وقد اقترحوا أيضا أن تقوم الحكومة الانتقالية باعلان دستوري تكميلي “يوضح صلاحيات هذه الحكومة، لا سيما تلك المتعلقة بالمراسيم والقوانين والمهام الحكومية، و آليات العمل، ومعايير التشكيل، والعمر الافتراضي، والإطار الزمني القانوني لتنفيذ الانتخابات “.

[3]  تلاحظ خارطة الطريق أيضا بأن إعادة دستور عام 1950 أصبح “نقطة تقارب و توافق في الآراء بين المعارضة السورية (وخاصة في ضوء الحنين إلى فترة ما بعد الاستقلال)”.

[4] وعلى وجه الخصوص المواثيق الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية المواثيق الدولية الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي صدقت عليها سوريا في عام 1968 .

[5] المادة 85 “(1) يجوز لرئيس الجمهورية إصدار مرسوم بحل المجلس، ويجب أن يؤخذ مثل هذا القرار من قبل مجلس الوزراء وان يوضح الأسباب التي تقرر ذلك. (2) لا يجوز حل المجلس قبل انتهاء مدة ثمانية عشر شهرا من تاريخ انتخابه. (3) عندما يتم حل المجلس فعلى الحكومة الاستقالة ويقوم رئيس الجمهورية بتعيين مجلس وزراء من أعضاء جدد للاشراف على الانتخابات.”

Related Posts

Comments are closed.